نشرة الساعة 25 الرياضية

علامات استفهام حول علاج إصابات الرأس… من شير وأوسبينا إلى فيرتونغن وصلاح

دعوات لتغيير معايير تشخيص ارتجاج الدماغ ومطالبة مسؤولي الكرة باعتماد اللاعب المؤقت

تشكل المخاطرة جزءاً من نسيج الحياة وجزءاً كبيراً من متعة كرة القدم وسر جاذبيتها، لكن عندما يتعلق الأمر باشتباه في الإصابة بارتجاج في المخ، فإنه حتى أكثر المراهنات تحفظاً يصبح لا مكان لها.

خلال الأيام القليلة السابقة وقع أكثر من حادثة جعلت ملف حماية اللاعبين الطبية يعاد فتحه من جديد.

إصابة يان فيرتونغن مدافع توتنهام الإنجليزي، في المباراة ضد أياكس أمستردام الهولندي، ثم إصابة محمد صلاح هداف ليفربول في المباراة ضد نيوكاسل يوم السبت، جعلتا المهتمين بالأمر يعودون إلى حوادث سابقة متسائلين عن النتائج التي توصل إليها المسؤولون عقب إصابة كلٍّ من فابيان شير مدافع نادي نيوكاسل يونايتد في المباراة بين منتخب بلاده سويسرا وجورجيا، وكذلك ديفيد أوسبينا، حارس مرمى آرسنال المعار لدى نابولي، خلال مواجهة في الدوري الإيطالي الممتاز أمام أوديني.

وأثارت عودة البلجيكي يان فيرتونغن لاستكمال المباراة ضد أياكس تساؤلات عديدة نظراً إلى قوة الضربة التي كان قد تعرض لها، بينما شدد مدربه الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو على أن الطاقم الطبي لفريقه اتّبع بروتوكول حالات الإصابة بارتجاج في الدماغ.

وسمح الجهاز الطبي لفيرتونغن بالعودة إلى أرض الملعب، قبل أن يغادره بعد فترة وجيزة وهو يعاني من صعوبة بالغة في الوقوف والمشي. ويبدو أن الجهاز الطبي لليفربول قد اتّعظ من تلك الحادثة فقرر سحب محمد صلاح على حامله لإسعافه خارج الملعب واتّبع القواعد بضرورة إراحته 6 أيام تحسباً لأي آثار جانبية للارتجاج.

الحقيقة أن البروتوكولات الصارمة التي أقرها اتحاد كرة القدم تضطلع بعمل ممتاز في معظمه على صعيد حماية اللاعبين الذين يعانون إصابات محتملة في الدماغ، بينما تقع بطولات «فيفا» و«يويفا» تحت مظلتي إرشادات منفصلة، لكنها متشابهة بصورة واسعة.

بيد أنه للأسف تشترك جميع شبكات السلامة تلك في نقطة قصور جوهرية: عدم توافر أداة تشخيص دقيقة لحالات الارتجاج في المخ واعتماد التقييم على الأحكام التي يصدرها الأطباء الأفراد الذين يعتمدون بصورة أساسية على فحوصات فورية غير موثوق بها للتوازن والذاكرة.

ومع أن فريقاً علمياً من جامعة برمنغهام على وشك تحقيق طفرة كبرى على هذا الصعيد ويعكف على إجراء تجارب لاختبار لعاب في إطار الدوري الممتاز، تظل القاعدة الأساسية المتبعة أنه حال الوقوع في أخطاء فمن الأفضل أن تأتي على صعيد الحرص المفرط. وتنص إرشادات اتحاد كرة القدم في هذا الشأن على أنه: «حال وجود شك، تجب تنحية اللاعبين جانباً والسماح لهم بالجلوس».

إلا أنه للأسف الشديد يبدو أن فابيان شير أصبح استثناءً لهذه القاعدة بالغة الصرامة عندما أكمل مدافع نادي نيوكاسل يونايتد مباراة بين سويسرا وجورجيا انتهت بفوز الأول بنتيجة 2 – 0 في تبليسي، وذلك رغم فقدانه الوعي لفترة وجيزة خلال تصادم بالرأس وقع في الشوط الأول.

وقال شير: «غبت عن الوعي لدقائق قليلة… كان في رأسي شعور بالطنين». وأشار شير إلى أنه لا يستطيع تذكر الاصطدام الذي أدى إلى فقدانه الوعي في مباراة بتصفيات بطولة أوروبا لكرة القدم 2020، وعندما أُعيدت عليه اللقطة قال إنه لا يتذكرها.

وبدا إخفاق المعنيين بالمنتخب السويسري في استدعاء اللاعب للخروج من الملعب متنافياً تماماً مع الإرشادات المتعلقة باشتباه الإصابة بارتجاج في المخ التي يتبعها الفريق الطبي المعاون لنيوكاسل يونايتد، بقيادة طبيب النادي بول كاترسون، والذي شعر بقلق بالغ دفعه لإجراء اتصالات عاجلة بتبليسي.

وأخيراً جرى اتخاذ «قرار مشترك» وأعلنت سويسرا استبعاد شير من المباراة التالية أمام الدنمارك. ومع هذا ظلت حالة من الجدال قائمة حول السبب وراء عدم تفعيل بروتوكولات «يويفا» على الفور. ومثلما الحال مع اتحاد الكرة والدوري الممتاز هنا، ينبغي أن تمر فترة استراحة لمدة ستة أيام كحد أدنى قبل أن يسمح للاعب «بالعودة إلى اللعب» في أعقاب إصابته باشتباه في ارتجاج في المخ. أما اللاعبون غير المحترفين المفتقرين إلى «رعاية مكثفة» فيتعين انتظارهم لمدة 19 يوماً.

جدير بالذكر أن بروتوكول «يويفا» ينص على أنه: «حالة وجود اشتباه في ارتجاج في المخ، ينبغي على الحكم إيقاف المباراة لمدة تصل إلى ثلاث دقائق للسماح للطبيب بتقييم حالة اللاعب. ويُسمح للاعب باستئناف اللعب فقط حال حصول الحكم على تأكيد محدد من طبيب الفريق بخصوص تمتع اللاعب بالقدرة اللازمة للاستمرار». في حالة شير، توقفت المباراة لمدة خمس دقائق قبل أن يحصل الحكم على تطمينات من مسؤولي المنتخب السويسري، والواضح أن المسؤولية برمتها وقعت على عاتق طبيب المنتخب.

ومع أنه من الضروري وجود طبيب ثالث ومستقل في مباريات الدوري الممتاز الإنجليزي بهدف توفير الدعم والمشورة لنظيريه العاملين لدى كل طرف، فإن هذه القاعدة ليست إلزامية في بلدان أخرى وظهرت دعوات، كان أبرزها من قائد نيوكاسل يونايتد والمنتخب الإنجليزي سابقاً آلان شيرر، ومن الاتحاد العالمي للاعبين المعروف باسم «فيفبرو»، إلى فرض وجود طبيب «محايد» خلال المباريات الدولية وأن يكون له القرار النهائي بخصوص إصابات الرأس. وكان بإمكان مثل هذا الأمر تغيير نتائج المباراة التي أُقيمت في جورجيا.

من جهتهم، دافع مسؤولو المنتخب السويسري عن أنفسهم، قائلين إن شير جرى فحصه بناءً على «الأدوات الرياضية لتقييم حالات ارتجاج المخ» و«لم يجر رصد أي اختلال عصبي». علاوة على ذلك، فإن الفحوصات التي أُجريت بعد المباراة كشفت «عدم وجود أي أعراض غير طبيعية»، حسبما قالوا.

وقد ثارت موجة مشابهة من الجدال في الفترة الأخيرة حول انهيار ديفيد أوسبينا، حارس مرمى آرسنال المعار لدى نابولي خلال مواجهة بالدوري الإيطالي الممتاز أمام أوديني. ومع ذلك، استمر أوسبينا في المباراة، بعد تغطية رأسه بغطاء طبي ثقيل في أعقاب تعرضه لحادثة اصطدام. بعد ذلك، سقط أوسبينا فاقداً الوعي ونُقل إلى المستشفى حيث أثبتت الفحوصات لحسن الحظ عدم إصابته بارتجاج في المخ.

من الصعب تخيل حدوث سيناريو مشابه داخل استاد سانت جيمسي بارك، معقل نيوكاسل، حيث يوجد، مثلما الحال مع باقي أندية الدوري الممتاز، طبيب محايد، لا يقدم المشورة فقط، بل يُعين نظيريه العاملين لدى طرفي المباراة، ويتابع خدمة بث فيديو وسمعي مباشر تربط بين الملعب وفريق التدريب وغرفة العلاج. عبر هذه الخدمة، يتمكن الأطباء من طرح مشورتهم على زملائهم المرابطين على خط المواجهة، ويعاونون في تقييم حدة الإصابات بالاعتماد على نظام إضاءة تتنوع عناصره بين الأحمر والكهرماني والأخضر.

من جهته، يبدي مدرب نيوكاسل يونايتد رافائيل بينيتيز، سعادته بتسليم كامل السلطة في هذا المجال إلى كاترسون، وهو خبير مخضرم للغاية بمجال الصدمات والذي يعي تماماً أنه، مثلما الحال مع شير، غالباً ما يبدي اللاعبون ترددهم إزاء الخروج من الملعب بعد تعرضهم لإصابة في الرأس. وقد شوهد كاترسون وبينيتيز في مواقف استثنائية تتضمن المهاجم السابق للنادي ألكسندر ميتروفيتش خلال مباراة ديربي أمام سندرلاند في 2016.

عندما كانت النتيجة التعادل الإيجابي 1 – 1 في مباراة حيوية في خضم معركة الهروب من الهبوط خاضها النادي على أرضه أمام سندرلاند بقيادة سام ألارديس وكان نيوكاسل يونايتد قد استنفد جميع التبديلات، سقط ميتروفيتش أرضاً فاقداً الوعي لفترة وجيزة في أعقاب تعرضه لضربة بالرأس وجرى استبعاده إلى خارج الملعب. في غضون فترة قصيرة، حاول اللاعب الصربي العودة إلى أرض الملعب، ما اضطر كاترسون وبينيتيز إلى منعه بالقوة. بخصوص شير، أبدت مجموعة «هيدواي» الناشطة بمجال تعزيز الوعي بخطورة إصابات الرأس، صدمتها إزاء ما حدث مع اللاعب، وتساءل رئيسها التنفيذي، بيتر مكابي: «ما الذي ينبغي فعله من أجل دفع الحقل الكروي نحو التعامل بجدية مع إصابات الارتجاج في المخ؟» وأضاف: «ببساطة فإن قرار السماح لشير المصاب بالعودة إلى الملعب واستئناف اللعب لا يحمل قدراً هائلاً من الخطورة فحسب، وإنما يشكل كذلك خرقاً سافراً للواجب». وقد حثت «هيدواي»، «يويفا» على فتح تحقيق بخصوص إصابات الرأس التي حدثت خلال الأشهر والأيام الأخيرة، كما حثت سلطات كرة القدم على إدخال «لاعبين بدلاء مؤقتين» حتى يتم السماح للطاقم الطبي بإجراء تقييمات مناسبة للاعبين الذين يتعرضون لإصابة بارتجاج في الدماغ. من جانبها، تأمل «مجموعة أطباء الدوري الممتاز» في تبسيط فرض بروتوكولات الاشتباه في ارتجاج المخ عبر إجراء تجربة تشخيص بالتعاون مع جامعة برمنغهام على امتداد هذا الموسم. ولاقى الأمر ترحيباً من جانب رابطة اللاعبين المحترفين، وتتضمن الاختبارات جمع عينات لعاب ودماء وبول من اللاعبين المصابين وغير المصابين. ومن المفترض عرض هذه العينات على «اختبار برمنغهام لارتجاج المخ» الذي من المتوقع أن يشكل طفرة كبرى في المجال الطبي المتعلق برياضة كرة القدم، والذي يجري تطويره تحت إشراف بروفسور علم الأعصاب توني بيلي. ويركز بيلي على جزيئات تعمل بمثابة مؤشرات حيوية تكشف ما إذا كان المخ قد تعرض لإصابة. وتنعقد الآمال على أن يصبح من الممكن مراقبة لعاب اللاعبين في غضون عامين من الآن.

وقال بيلي: «هذا إنجاز هائل حقاً ونفخر بأنه يجري تطويره داخل بريطانيا. الواضح أن عالم الرياضة في مختلف أرجاء العالم يبحث عن أدوات تقييم أكثر مصداقية وموضوعية لحالات الارتجاج في المخ عن اختبارات التوازن والذاكرة الحالية، وذلك لافتقار الأخيرة إلى الدقة».




المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق