نشرة الساعة 25 الرياضية

نجاح كأس العالم للسيدات لا يكفي لجذب المزيد نحو ممارسة كرة القدم

منتخب إنجلترا يلهم المشجعين… لكن هناك ضرورة لتوحد الجهود لإنعاش المنافسات النسائية

قدمت بطولة كأس العالم لكرة القدم للسيدات نماذج رائعة، لكن نجاح النخبة ليس كافياً لدفع مزيد من الأشخاص نحو ممارسة رياضة يسيطر عليها الرجال.

مع استحواذ بطولة كأس العالم للسيدات، التي فاز بها المنتخب الأميركي، على مزيد من القلوب والعقول، ترسخ في نفوس كثيرين الافتراض بأن الأداء الذي قدمته إنجلترا سيغير وجه كرة القدم النسائية على مستوى البلاد، مع تشجيع النجاح الذي حققه المنتخب أعداداً ضخمة، خصوصاً الفتيات، على لعب الكرة والنشاط بها. للوهلة الأولى، يبدو هذا الاعتقاد منطقياً، ذلك أن المؤكد أن لوسي برونز وميغان رابينو وويندي رينارد يمثلن جميعاً نماذج جديرة بالاحتذاء. ومع هذا، توجد مشكلة واحدة في هذا الأمر: لا توجد أدلة على أرض الواقع تدعم ما يصفه الأكاديميون بـ«الاحتذاء بالقدوة» أو «التأثير الانتشاري».

هل تذكرون عندما نجح بوريس بيكر وشتيفي غراف ومايكل ستيتش في اجتذاب أعداد غير مسبوقة من الألمان وغيرهم لمشاهدة انتصاراتهم في بطولات التنس الكبرى؟ في الواقع، أعقب ذلك تراجع في أعداد أعضاء الاتحاد الألماني للتنس. وبالمثل، نجد أنه خلال الفترة السابقة مباشرة لانعقاد دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في لندن عام 2012، وعد أفراد مثل كولين موينيهان، الذي كان يترأس حينها الاتحاد الأولمبي البريطاني، بأن تنظيم دورة الألعاب الأولمبية «سيحفز جيلاً كاملاً من الشباب الساعين لمحاكاة أبطالهم الرياضيين». إلا إن هذه الصورة الوردية لم تترك انعكاساً على الواقع، فقد خلص مسح حديث أجرته مؤسسة «سبورت إنغلاند» إلى أن واحداً من كل 3 أطفال يمارس نشاطاً رياضياً لمدة تقل عن 30 دقيقة يومياً ـ مثل المشي أو استخدام «سكوتر» أو لعب رياضة ما ـ الأمر الذي وصفته وزيرة الرياضة، ميمز ديفيز، بأنه «ببساطة أمر غير مقبول».

ومع ذلك، ينبغي ألا نفاجأ بمثل هذه النتيجة، فقبل دورة الألعاب الأولمبية عام 2012 بفترة طويلة عكف باحثون على تفحص النتائج التي خلفتها دورة الألعاب الأولمبية التي استضافتها أستراليا وذلك خلال الفترة من 1976 حتى 1996، وخلصوا إلى عدم وجود علاقة ارتباط بين الإنجازات الرياضية الوطنية ومعدلات الاستمرار في ممارسة الرياضة بين السكان بوجه عام.

في الوقت ذاته، فإن المؤشرات الصادرة عن عقد مراجعة ممنهجة لمبادرات الصحة العامة بعد دورة سيدني للألعاب الأولمبية عام 2000، توحي بأنه لا توجد أدلة على أن حالة البهجة العامة التي أحاطت المنافسات الأولمبية تحولت إلى زيادة في النشاط الرياضي، رغم كل الخطابات والوعود الوردية.

وتوصلت أبحاث أخرى إلى وجود علاقة ارتباط سلبي طفيفة بين النجاح الأولمبي والمشاركة العامة في المجال الرياضي. وأوجز القائمون على دراسة أخرى هذا الأمر على النحو التالي: «ثمة افتراض شهير بأن نجاح الرياضيين المحترفين يعزز المشاركة في الرياضة داخل بلدانهم. ومع هذا، فإن الدلائل النظرية الداعمة لهذه العلاقة والأدلة العملية هشة للغاية».

ودعونا نعيد قراءة هذه العبارة الأخيرة مراراً، ودعونا ننشرها قدر المستطاع، خصوصاً أنه بمختلف أرجاء العالم يلجأ السياسيون والسلطات العامة إلى التأثير المفترض لرياضة النخبة بين جموع المواطنين ذريعةً لتبرير الاستثمارات التي يضخونها بهذا المجال. إلا إن الأدلة على وجود هذا التأثير الانتشاري للنجاح الرياضي على مستوى النخبة، هشة وواهية.

بالطبع يشعر بعضنا بالإلهام والحماس تجاه المشاركة في رياضة معينة لدى مشاهدة منافساتها عبر التلفزيون، لكن دراسات علمية تشير إلى أن جزءاً كبيراً من ذلك ينبع من «تأثير الإحلال»، مع تنقل الأشخاص النشطين بالفعل من رياضة لأخرى. أما التحدي الحقيقي هنا فيتمثل في دفع أعداد أكبر من الأفراد إلى أن يصبحوا نشطين رياضياً لفترة أطول.

والآن، ماذا عن كرة القدم للسيدات؟ الواضح أنها تزداد شعبية يوماً بعد آخر، لذا ربما يكون من الصعب الفصل بين المشاركة المتنامية في هذا المجال ونجاحات المنتخب الإنجليزي. ومع ذلك، نجحت دراسة أجريت حول تداعيات فوز اليابان ببطولة كأس العالم للسيدات عام 2011، في إنجاز هذه المهمة العسيرة. في إطار الدراسة، تولى الباحث الأكاديمي هيدياكي إيشيغامي فحص جميع النشاطات غير المدرسية التي سجلتها 1.5 مليون طالبة يابانية خلال السنوات السابقة مباشرة للبطولة والأخرى اللاحقة مباشرة بها، وعاونه في هذه المهمة أن اتحاد نيبون للثقافة الرياضية بالمدارس الثانوية (كيان تنظيمي وطني) يحتفظ ببيانات تسجل لـ99 في المائة من المدارس داخل اليابان تبعاً لنمط الرياضة.

ولاحظ إيشيغامي أن أعداداً أكبر من الفتيات لعبن كرة القدم في اليابان بعد عام 2011، لكنه توصل إلى نتيجة أخرى مهمة: هذه الزيادة «لا تتجاوز المتوقع نتيجة لعامل الحظ» لدى الأخذ في الاعتبار تنامي مستويات المشاركة بالفعل قبل تنظيم بطولة عام 2011. وأوجز إيشيغامي الأمر على النحو التالي: «لم نجد دليلاً كمياً يدعم تأثير الاحتذاء بقدوة. ويشير هذا ضمنياً إلى أن الزيادة التي شهدتها مشاركة الفتيات في كرة القدم في أعقاب بطولة كأس العالم للسيدات عام 2011، كانت لتتحقق بغض النظر عما فوز اليابان بالبطولة». وأشار إيشيغامي إلى أن النوع يلعب دوراً واضحاً هنا.

من جهتها، أجرت شركة «دياتشي» للتأمين على الحياة دراسات مسحية سنوية على الأطفال البالغين 13 عاماً داخل اليابان منذ عام 1989. وتبعاً للنتائج التي توصلت إليها، تضمنت الوظائف التي تحلم بها الفتيات باستمرار: التدريس والطب وخدمات المطاعم، بينما لم تظهر الرياضة قط في القائمة، حتى بعد بطولة كأس العالم عام 2011. ويتناقض ذلك على نحو صارخ مع قوائم أمنيات الفتيان في العمر نفسه، والتي تضمنت باستمرار كرة البيسبول أو كرة القدم. وظهر هذا التباين بين النوعين فيما يخص النماذج الرياضية في دول أخرى، أيضاً.

ثمة رسالة يحملها هذا الأمر إلى اتحاد الكرة والحكومة. من الواضح أن كرة القدم للسيدات في بريطانيا تسير في الاتجاه الصحيح ـ بالنظر إلى الأعداد القياسية للجماهير في مباراة نهائي بطولة كأس الاتحاد للسيدات، وعقد الرعاية الجديد من جانب «بنك باركليز» لبطولة الدوري الممتاز للسيدات بقيمة 10 ملايين جنيه إسترليني وبطولة كأس العالم المثيرة الماضية. ومع هذا؛ مثلما تعلمنا عندما أنجزت إنجلترا بطولة كأس العالم للسيدات في كندا في المركز الثالث عام 2015، فإن كل ما سبق ليس كافياً. لقد ألهم نجاح منتخب إنجلترا للسيدات الأمة بأكملها، لكن المهمة الأصعب تبدأ الآن.

الواضح أن كرة القدم للسيدات بحاجة إلى رعاية وتعزيز جذورها ـ وتعد الاستراتيجية الوطنية الجديدة لاتحاد الكرة المعنية بالفتيات من عمر الخامسة حتى الـ11 خطوة في الاتجاه الصحيح ـ إضافة إلى النضال لتحقيق معدلات أكثر تناغماً للمشاركة في المباريات والمنافسات.

يذكر أن متوسط الحضور الجماهيري خلال مباريات الدوري الممتاز للسيدات الموسم الماضي كان أقل من ألف. ولك أن تتخيل تأثير إذاعة مباراة من الدوري الممتاز للسيدات خلال ظهيرة أيام الأحد عبر قناة «بي بي سي الثانية».

في هذه الأثناء، تبقى النقطة المحورية أن نجاح النخبة الرياضية ليس كافياً لدفع مزيد من الأشخاص نحو النشاط الرياضي.

يذكر أنه بعد فوز بريطانيا بميدالية أولمبية وحيدة خلال دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في أتلانتا عام 1996، حدثت ثورة في التمويل الحكومي دفعت بالفريق الأولمبي لبريطانيا العظمى وشمال آيرلندا نحو رأس القائمة. فهل نأمل في ثورة مشابهة تدفع بالباقي نحو اقتحام الحقل الرياضي، أيضاً؟




المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق