نشرة الساعة 25 الرياضية

جواهر… من لاجئة صومالية لأول سيدة مسلمة تصبح حكماً في إنجلترا

عشقها لكرة القدم بدأ في شوارع مقديشو التي دمرتها الحروب وعلى خلفية دوي طلقات النار

أثناء فترة بعد الظهيرة بأحد الأيام المشمسة، جلست مجموعة من الأمهات يرتدين الحجاب على مصطبة في ملعب لكرة القدم، يراقبن بناتهن يلعبن الكرة في ملعب ستونبريدج في شمال غربي لندن. ومع سيطرة حمى الشغف ببطولة كأس العالم على المملكة المتحدة، أبدت الفتيات حماساً شديداً تجاه التدريب وحب وتقدير بالغين تجاه المدرب والحكم، جواهر روبل، التي تُعرف بين أصدقائها بـ«جيه جيه».

وجاء هذا التدريب في إطار مبادرة وطنية برعاية اتحاد الكرة الإنجليزي وتهدف إلى دعم أكثر عن 2.000 فتاة تتراوح أعمارهن بين 5 و11 عاماً بمختلف أرجاء البلاد. كان اتحاد الكرة قد أطلق البرنامج عام 2017، ويرمي إلى مضاعفة مشاركة الفتيات في كرة القدم بحلول عام 2020. أما روبل، اللاجئة الصومالية، فقد اعتادت لعب الكرة على خلفية دوي طلقات النار، ونجحت في تحقيق إنجاز بالمعنى الحقيقي باجتيازها عقبات جمة وصعبة للوصول إلى هذا الملعب اليوم. وتعتبر جواهر أول سيدة مسلمة تصبح حكماً على مستوى الكرة البريطانية.

نالت جواهر الكثير من الجوائز، منها أفضل حكم من جانب اتحاد الكرة عام 2017، وكذلك لقب أفضل شخصية رياضية في إطار جوائز التفوق الصومالية. وشاركت جواهر في الحملة الجديدة لشركة «نايك» من أجل المعدات الرياضية لمنتخب إنجلترا للسيدات. واليوم، تطمح جواهر إلى المشاركة بالتحكيم في بطولة كأس العالم للسيدات عام 2023. وعن هذا، قالت: «هذا التحدي القادم أمامي، وهو حلم سوف أحققه».

ولدت جواهر في الصومال وفرّت من الحرب هناك مع أسرتها عندما كانت طفلة، وقدِمت إلى المملكة المتحدة في سن الـ10. وبدأ عشقها لكرة القدم في الوطن في مقديشو عندما كانت تلعب مع الأطفال من أبناء حيها حتى في ظل اشتعال قتال محتدم بين ميليشيات متناحرة حول المدينة. وقالت: «أثناء اللعب، كنا نسمع دوي طلقات قوية، وكنا نهرع إلى ديارنا. ودائماً ما كانت أمي تبحث عني من حين إلى آخر وتطلب مني البقاء داخل المنزل، لكن سرعان ما كنا نجتمع من جديد بعد توقف أصوات الانفجارات ونستأنف اللعب».

ونظراً لنقص الموارد وعدم توافر معدات رياضية، كانت جواهر مضطرة إلى الاعتماد على أي شيء يتاح أمامها. وقالت: «لم يكن لدينا كرة بالمعنى الحقيقي، بعض الأحيان كنا نستخدم البطاطا ككرة، وأحياناً كنا نصنع الكرة من ورق الصحف والملابس القديمة». أما الانتقال إلى المملكة المتحدة، فجاء بمثابة نهاية العيش في ظل الخوف بالنسبة لجواهر، لكنه حمل هو الآخر تحديات خاصة به. وقالت: «وصولنا مطار هيثرو كان مشهداً سريالياً. وما أزال أذكر حجم الإثارة التي شعرت بها! أخيراً وصلنا في أمان. هناك الكثيرون أخفقوا في تحقيق ذلك؛ لذا كنا من المحظوظين».

في المدرسة، رأت جواهر المعدات الرياضية «الحقيقية والحديثة» للمرة الأولى. وقالت: «شعرت بدهشة بالغة، فقد كان لديهم كرات قدم حقيقية وجوارب طويلة وملاعب» رغم عجزها عن الحديث بالإنجليزية، تمكنت جواهر من تكوين فريق الكرة الخاص بها وبناء صداقات مع أطفال جدد يشاركونها عشقها لكرة القدم؛ الأمر الذي سهل عليها مهمة إتقان اللغة الجديدة. وقالت: «كنت مجنونة، وكنت ألعب يومياً خلال فترة الاستراحة ووقت الغداء، بل وحتى بعد المدرسة».

وانطلقت روبل في خوض دورة تدريبية بمجال التدريب، وحصلت على مؤهل من اتحاد الكرة، ثم حصلت على دورة تدريبية احترافية بمجال التحكيم من اتحاد الكرة في ميدلسكس، وسرعان ما تقدمت من مستوى الناشئين إلى مباريات البالغين. وباعتبارها مسلمة متدينة، حرصت جواهر على ارتداء الحجاب طوال مسيرتها. وقالت: «بمجرد دخولي أرض الملعب وإطلاقي صافرة انطلاق المباراة، لا أعود لاجئة ويصبح حجابي بلا أهمية، وكذلك نوعي ولون بشرتي، وإنما أصبح الحكم فحسب وأعلم كيف أقوم بوظيفتي على النحو المطلوب ـ هنا مربط الفرس».

وقالت: «يمكنني أن أرى حالة من الذهول في أعين بعض اللاعبين والجماهير أيضاً، لكن لا أدع ذلك يمنعني من الاستمرار عن الاضطلاع بعملي. التحكيم مهمة صعبة وتحمل الكثير من الضغوط؛ لذا يتعين على المرء تركيز ذهنه على عمله واتخاذ قرارات سريعة. لذلك، ليس لدي وقت للتفكير فيما يظنه الناس عني». وأضافت: «عندما تنتهي المباراة، يدركون حجم قدراتي، بل ويأتي بعضهم إليّ ويشكرونني وكأن لسان حالهم يقول (هي أفضل حكم حظينا به على الإطلاق)».

وقد تحولت روبل إلى نموذج وقدوة أمام الفتيات الصغيرات داخل مجتمعها الصغير. وتجد الفتيات اللاتي تتولى تدريبهن داخل ستونبريدج فيها نموذجاً يحتذى به ويتطلعون نحوه داخل الملعب وفي دعمها لأسرتها والجالية الصومالية الأكبر. ومع ذلك، شعر والداها بعدم الارتياح في بداية مشوارها. وعن هذا، قالت: «لم أحظ بمستوى الدعم الذي أتلقاه اليوم من والدي في البداية. وقد نصحوني حينها بالتركيز على دراستي. لم يكن الأمر سهلاً، لكنهم اليوم تقبلوني ويدعموني لإيمانهم بي».

في الواقع، يمتد طموح جواهر لما هو أبعد عن بطولة كأس العالم للسيدات عام 2023، ترغب جواهر في تأسيس أكاديمية تدريب خاصة بها في وطنها الأم، وتدريب المنتخب الصومالي للسيدات. وقالت: «بالتأكيد سأفعل ذلك، ولا يمكنني الانتظار للحظة التي يعمّ فيها السلام الصومال». في تلك الأثناء، لا تزال جواهر تلهم الفتيات الصغيرات. وقالت: «أود في جعلهن نجمات كبيرات. إننا نبدأ من الصفر، لكن ينتظرهن مستقبل مشرق».




المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق