نشرة الساعة 25 الرياضية

كيف تنتقل العنصرية من الملاعب إلى شبكة الإنترنت؟

لاعبو كرة القدم من أصحاب البشرة السمراء يتعرضون لإساءات عنصرية متزايدة والوضع يسير من سيئ لأسوأ

يتعرض لاعبو كرة القدم من أصحاب البشرة السمراء لإساءات عنصرية متزايدة على وسائل التواصل الاجتماعي، فما السبب وراء ذلك؟.

تخيل أنك لاعب كرة قدم بارز من أصحاب البشرة السمراء. في البداية، كانت الإساءات العنصرية التي تتعرض لها تأتي من المدرجات، وبالتالي تنتهي بمجرد انتهاء المباراة. لكن الآن، فإن هذه الإساءات تصاحبك إلى منزلك، نظرا لأن التعليقات المسيئة تنهمر على حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي بعض الأحيان تفتح هاتفك الجوال بعد نهاية المباراة لتجد المئات، وربما الآلاف، من الإخطارات. وبالتالي، فإن الإساءات لا تتوقف، كما يكتب المسيئون اسمك إلى جانب إهانات بغيضة، أو يرسلون إليك صورا بشعة، أو ينشرون صورا لأشكال العنف الذي يريدون أن يرتكبوه ضدك!.

وعندما تتلقى هذه الإساءات للمرة الأولى فإنك ستشعر بانزعاج شديد، ثم تتكيف مع الأمر بعد ذلك، وتقوم بإبلاغ شركات التواصل الاجتماعي بهذه الإساءات، على أمل الحصول على مساعدة والتوصل إلى حل لتلك المشكلة، لكن تعامل هذه الشركات مع شكواك ستجعلك تشعر بخيبة أمل وإحباط، وستتواصل الهجمات والإساءات ضدك.

تخيل أنك تعيش بهذه الطريقة، كما هو الحال في الوقت الراهن مع مهاجم نادي واتفورد، تروي ديني، ونجمة يوفنتوس السابقة إنيولا ألوكو. إنها الضريبة التي تدفعها نظرا لكونك لاعبا مشهورا من أصحاب البشرة السمراء. لكن الأمر يكون مختلفا تماما بالنسبة لأصدقائك وعائلتك، فهم يرون الغرباء وهم يصفونك بالقرد أسفل الصور التي ينشرها أفراد العائلة على إنستغرام، وهو الأمر الذي يجعلهم يشعرون بالرعب والارتباك.

وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف يمكن لشخص كرس كل حياته لهذه اللعبة التي يعشقها أن يتعرض للاحتقار من قبل جمهور هذه اللعبة؟ إن هذا الأمر يجعل عائلتك تشعر بالخوف والغضب ومن وضعك تحت هذا المجهر المُكبر البغيض. إنهم يخشون من أن يقوم شخص ما في أحد الأيام بالقيام بإساءات أسوأ بكثير.

وفي الوقت الحاضر، يمكن توجيه الرسائل العنصرية إلى لاعبي كرة القدم من أصحاب البشرة السمراء مثل الصواريخ؛ حيث يتم «تسليح» وسائل التواصل الاجتماعي وتوجيه الإساءات العنصرية عبر الإنترنت بشكل متصاعد. وقدمت وكالة «براندوتش»، المتخصصة في مراقبة النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي والتي أجرت أبحاثاً لصالح مؤسسة «كيك إت آوت» الخيرية المناهضة للعنصرية في بريطانيا، قدمت مجموعة من الإحصاءات في هذا الصدد. وقالت الوكالة – بعد دراسة للفترة بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 ونوفمبر 2019 – إن هناك ارتفاعا شاملا في التغطية المسيئة لفرق كرة القدم عبر الإنترنت؛ حيث شهدت بعض منصات وسائل التواصل الاجتماعي (بما في ذلك تويتر وإنستغرام وفيسبوك) زيادة بنسبة تتراوح بين 600 في المائة و900 في المائة.

وإذا أخذنا عينة من الإساءات العنصرية الموجهة إلى عدد من اللاعبين البارزين من أصحاب البشرة السمراء، سنجد أن النتائج كانت مثيرة للقلق، ومثيرة للدهشة أيضا. وتواصلت الإساءات، التي كانت على شكل صور وإهانات وتهديدات، على مدار العام، لكنها كانت تتزايد بشكل كبير أثناء المباريات الهامة. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2019، على سبيل المثال، كانت الإساءات الموجهة ضد لاعب مانشستر سيتي، رحيم سترلينغ، ومدافع ليفربول، فيرجيل فان دايك، أعلى بنسبة 27.000 في المائة عن المعتاد، وهو الارتفاع الذي قد يعزى إلى إقامة مباراة بين الفريقين في تلك الفترة.

وفي أغسطس (آب) الماضي، تعرض مهاجم مانشستر يونايتد، ماركوس راشفورد، بعد أن أضاع ركلة جزاء أمام كريستال بالاس، للكثير من الإساءات العنصرية، ووصفه البعض بكلمة «زنجي» بشكل متكرر على موقع «تويتر»، كما وجه آخرون له صورا عنصرية. وقال راشفورد في تصريحات صحافية في وقت لاحق: «يبدو لي أن الأمور تسير إلى الوراء وليس إلى الأمام». وحدث ذلك بعد أسبوعين من تعرض زميله في مانشستر يونايتد، بول بوغبا، لإساءات عنصرية بسبب إهداره لركلة جزاء ضد وولفرهامبتون واندررز.

وتم استهداف لاعبين آخرين بعد أحداث مماثلة: إهدار ركلة جزاء، أو التمرير بشكل سيئ. لكن على وجه التحديد، لم تجد وكالة «براندوتش» أي صلة قوية بين الأداء الجيد للاعبين من أصحاب البشرة السمراء وبين مستوى الكراهية العنصرية التي يواجهونها، إذ أن مجرد اللعب يكفي في كثير من الأحيان لإشعال الغضب ضد هؤلاء اللاعبين على شبكة الإنترنت. وعندما تعرض لاعب أستون فيلا، تيرون مينغز، لهتافات عنصرية خلال مباراة المنتخب الإنجليزي أمام بلغاريا في التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس الأمم الأوروبية 2020، ارتفع معدل الإساءات العنصرية المصاحبة لذلك على شبكة الإنترنت بنسبة 86 في المائة. وفي حالة راشفورد، الذي شارك أيضا في تلك المباراة، ارتفع معدل الإساءات العنصرية على شبكة الإنترنت بنسبة 3.000 في المائة.

لكن ماذا وراء هذه الطفرة في الإساءات العنصرية عبر شبكة الإنترنت؟ تحثنا ألوكو، التي لعبت 102 مباراة مع المنتخب الإنجليزي للسيدات، على دراسة المناخ الحالي على وسائل التواصل الاجتماعي، قائلة: «انظروا إلى ترمب، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وماتيو سالفيني». وقد اكتسب سالفيني، السياسي الإيطالي البارز الذي كان حتى شهر سبتمبر (أيلول) من هذا العام نائباً لرئيس الوزراء في إيطاليا، شعبية كبيرة بسبب اعتناقه للخطاب اليميني المتطرف. وترى ألوكو أن صعود سالفيني قد صاحبته «قلة اهتمام» من جانب السلطات الإيطالية في مساءلة الأندية على الهتافات العنصرية خلال المباريات أو شركات وسائل التواصل الاجتماعي على الرسائل العنصرية على شبكة الإنترنت. وترى ألوكو أن عدم الاهتمام هذا هو أحد أعراض قبول التعصب والعنصرية في المجتمع بشكل أوسع، مشيرة إلى أن هذا التعصب يرتفع بالتبعية على شبكة الإنترنت.

ويقول تروي ديني، مهاجم واتفورد، في هذا الصدد: «خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أخرج العنصرية إلى السطح. لكن انظروا إلى الوراء وما حدث في السابق. بالنسبة إلى بعض الآباء والأجداد، كانت العنصرية شيئا طبيعيا، وسوف يعلمون أبناءهم أن هذا شيء مقبول». ورفض ديني الفكرة التي تقول إن سوء المعاملة الذي يتعرض لها، والتي يصعب على أصدقائه وعائلته تحملها في كثير من الأحيان، مجرد مزحة، قائلا: «الشيء الذي يصلني في الوقت الحالي هو أن الناس يقولون إن هذا مجرد مزاح، لكن المزاح يُقصد به أن يكون شيئا محببا إلى النفس. لكن كيف تهين شخصاً ما بسبب لون بشرته ومعتقداته ونشاطه الجنسي، وتقول إن هذا مزاحا؟»

ويؤكد البروفسور بين كارينغتون، عالم الاجتماع البريطاني والخبير في العلاقة المشحونة في كثير من الأحيان بين العرق وكرة القدم، على أن شريحة كبيرة من الجمهور من أصحاب البشرة البيضاء لديها عادة منذ زمن بعيد في إهانة الرياضيين من أصحاب البشرة السمراء. ويرى كارينغتون أن وسائل الإعلام الاجتماعية هي مجرد نسخة حديثة من ذلك، ويقول: «توجيه الإساءات العنصرية عبر شبكة الإنترنت هو شكل من أشكال العقوبات الاجتماعية. إنه تأديب رسمي للاعبي كرة القدم من أصحاب البشرة السمراء، كما أنه يوجه تحذيراً إلى الشخصيات العامة من أصحاب البشرة السمراء بأنه إذا كنتم تريدون التحدث عن بعض القضايا المتعلقة بالعنصرية والسياسة، فهناك ثمن سوف تدفعونه جراء ذلك».

ويستشهد كارينغتون بجاك جونسون، الملاكم الأميركي في أوائل القرن العشرين، والذي تعرض لانتقادات كبيرة من شريحة كبيرة من الجمهور من أصحاب البشرة البيضاء. وأشار كارينغتون إلى أن خطيئة جونسون الحقيقية كانت تتمثل في «سواد بشرته الذي لا يغتفر».

وفي السياق الحديث، تظهر صورة قاتمة للغاية، تتمثل في أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مثل «السوط» في أيدي عشاق كرة القدم المتعصبين، الذين يمكنهم استخدامه في جلد ظهور لاعبي كرة القدم من أصحاب البشرة السمراء. يقول كارينغتون: «إن ما يحدث لهؤلاء اللاعبين من أصحاب البشرة السمراء هو مظهر من مظاهر سوء المعاملة، الذي صمم خصيصا لإبقاء أصحاب البشرة السمراء في مكانهم إلى الأبد».




المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق